تُعد قراءة شلومو افينيري لماركس من اكثر القراءات إثارة للجدل في الفكر السياسي , لانها لم تقتصر على تفسير نصوص ماركس في سياقها التاريخي , بل أعادت توظيف بعض افكاره في بناء يمنح المشروع الصصهيوني بعدًا تاريخيا بوصفه قوة تحديث و تقدم . و على الرغم ان هذة القراءة تعرضت للكثري من الانتقادات إلا انها لم تبعد تماما عن نصوص ماركس , و لاسيما في نظرته حول نمط الانتاج الاسيوي و تميز الرسمالية و الاستعمار في تفكيك البنى التقليدية .
يوجه براين تيرنر نقدًا للنزعة الأوروبية الكامنة في بعض قراءات ماركس، ويرى أن هذا التصور أسهم في إضفاء شرعية نظرية على قراءات استعمارية، مستشهدًا بقراءة شلومو أفينيري التي استندت إلى بعض نصوص ماركس في تفسير المشروع الصهيوني بوصفه قوة تحديث تاريخية في فلسطين. كما يرى تيرنر أن الإشكال الأعمق في النموذج الماركسي يتمثل في افتراضه أن الغرب هو مركز الحركة التاريخية، بينما يُصوَّر الشرق باعتباره فضاءً للجمود النسبي، الأمر الذي يجعل تفسير ماكس فيبر للحضارات أكثر اتساعًا من الناحية المقارنة، لأنه لا يحصر ديناميات التطور في الجغرافيا الأوروبية وحدها.
و كان شلومو أفينيري، أحد أبرز منظري الصهيونية الليبرالية، وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية، والذي شغل أيضًا منصب المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية بين عامي 1975 و1977. ولم يكن أفينيري مجرد باحث في الفكر السياسي، بل كان من أكثر المفكرين تأثيرًا في صياغة الفهم الأكاديمي والسياسي للصهيونية، إذ قدمها باعتبارها حركة تحرر قومي حديثة، وجزءًا من موجة الحركات القومية الأوروبية الساعية إلى تقرير المصير، لا بوصفها مشروعًا استعماريًا استيطانيًا.
وقد انعكس هذا التصور على المناخ الفكري والسياسي في إسرائيل، حيث أسهمت كتاباته في ترسيخ خطاب يمنح المشروع الصهيوني شرعية تاريخية وفلسفية، تتجاوز مجرد الدفاع القانوني عن قيام الدولة. فقد دافع أفينيري باستمرار عن شرعية قيام إسرائيل، ورأى أن إنكار شرعيتها يمثل إنكارًا لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره، مع تمييزه في الوقت نفسه بين شرعية الدولة وبين نقد سياسات الحكومات الإسرائيلية، إذ أيد لاحقًا حل الدولتين وانتقد استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية بعد عام 1967، معتبرًا أن الاحتلال طويل الأمد يقوض الأسس الأخلاقية والسياسية للصهيونية نفسها.
ومن هذا المنطلق، يرى براين تيرنر أن قراءة أفينيري لماركس تتجاوز حدود التفسير التاريخي، لتصبح شكلًا من أشكال الإضفاء التاريخاني للشرعية على المشروع الصهيوني. فكما منح ماركس، في مقالاته عن الهند عام 1853، الاستعمار البريطاني وظيفة تاريخية تتمثل في هدم البنى الاجتماعية التقليدية وإطلاق قوى الإنتاج، رغم إدانته لوسائله العنيفة، فإن أفينيري يعيد توظيف هذا المنطق التاريخي في فهم الصهيونية باعتبارها قوة تحديث تاريخية حملت المجتمع الفلسطيني إلى طور جديد من التطور. وبذلك لا يكون التبرير قائمًا على أساس أخلاقي أو قانوني، وإنما على أساس فلسفة للتاريخ تجعل التقدم التاريخي مبررًا كافيًا للتحولات الاجتماعية والسياسية التي أحدثها المشروع الصهيوني.
وفي هذا السياق، يلفت إرنست ماندل الانتباه إلى أن اهتمام ماركس انصب على إبراز الخصوصية التاريخية للرأسمالية الغربية؛ فبينما درس في الغرب الشروط التي أنتجت الرأسمالية وصعودها، تناول الشرق من زاوية العوامل التي حالت دون نشوء المسار نفسه. ويشير هذا التباين إلى أن المقارنة عند ماركس لم تكن متوازنة بين التجربتين، بل كانت أوروبا تمثل المرجع الضمني الذي تُقاس عليه بقية المجتمعات.
و في حقيقة الامر إن تصور ماركس المبكر لنمط الإنتاج الآسيوي بوصفه شكلًا اجتماعيًا يتسم بالركود وضعف القدرة على إحداث تحول داخلي، قاده إلى التقليل من ديناميكية التطور التاريخي لمجتمعات الشرق. ومن ثم بدا وكأن الرأسمالية تؤدي وظيفة تاريخية تقدمية، إذ تعمل على تفكيك البنى التقليدية وإطلاق قوى الإنتاج. وقد دفع ذلك عددًا من الباحثين إلى القول إن ماركس، من الناحية التاريخية لا الأخلاقية، منح الاستعمار دورًا تقدميًا في مسار التاريخ.
وقد دافع بعض الباحثين عن ماركس من خلال حجتين رئيسيتين. الأولى أن كتاباته المتأخرة، ولا سيما بعد سبعينيات القرن التاسع عشر، تكشف عن تحول تدريجي من التصور الأحادي لمسار التطور التاريخي إلى الاعتراف بإمكان وجود مسارات متعددة للتطور، وهو ما يظهر بصورة خاصة في اهتمامه بالمشاعة الريفية الروسية ودفاتر الإثنولوجيا ورسائله المتأخرة. إلا أن هذا الدفاع لم يحظ بإجماع، إذ يرى فريق آخر من الباحثين أن هذا التحول قد جرى تضخيمه، وأن الموقف الأساسي لماركس من نمط الإنتاج الآسيوي لم يتغير تغيرًا جوهريًا.
أما الحجة الثانية فتذهب إلى أن المادية التاريخية عند ماركس لم تقدم أصلًا مخططًا حتميًا أو خطيًا لمسار التاريخ، وأن الصورة الجامدة للمراحل التاريخية التي سادت في الماركسية اللاحقة كانت ثمرة أعمال إنجلز وبعض المنظرين الماركسيين، ولا سيما في التقليد السوفيتي، أكثر مما كانت تعبيرًا مباشرًا عن نصوص ماركس نفسها. غير أن هذا التفسير هو الآخر محل خلاف، لأن عددًا من نصوص ماركس المبكرة يوحي بالفعل بوجود تصور ذي نزعة خطية للتطور التاريخي.
ومن منظور يتجاوز القراءة التاريخية الداخلية إلى قراءة معيارية تستند إلى قيم الإنسانية والفكر الأخلاقي، فإن الدفاع عن ماركس بالإشارة إلى إدانته الأخلاقية للاستعمار لا يحسم الإشكال. ففي مقالاته عن الهند عام 1853 أدان ماركس العنف والتدمير اللذين مارستهما الإمبراطورية البريطانية، لكنه رأى في الوقت نفسه و بصورة تجريدية أن الاستعمار يؤدي، بصورة تناقضية، وظيفة تاريخية تتمثل في هدم البنى الاجتماعية التقليدية التي كانت تعوق تطور قوى الإنتاج. غير أن هذه الحجة لا تنقض الانتقاد الموجه إليه، لأن جوهر الاعتراض لا يتعلق بموقفه الأخلاقي من الاستعمار فقط ، وإنما بتصوره النظري للمجتمعات الشرقية بوصفها مجتمعات راكدة تفتقر إلى ديناميكية التطور الذاتي، وهو التصور الذي أتاح للرأسمالية والاستعمار أن يظهرا بوصفهما عاملين للتاريخ.
و من هنا نرى الوسيط التاؤيلي في النص , ليس فقط التعبير عن افكار الكاتب بل وضع افكاره هو الاخر عن طريق دمج اللغات لانه يجب عليه ان يكون في ادق الحذر لانه يتعامل مع لغة و يحاول توسيع حدوده و بعدها يحدها عن طريق ادماجها او التعربي عنها بلغة اخرى , ما يفعله المترجم، هو أكثر من نقل المعنى إلى لغة ونص جديدين، كما أن المترجم أكثر من وسيط أداتي بين نصين حول معنى ومُراد واحد. ورغم اعتقاد القارئ في كلتا اللغتين، بأنه يقرأ نصاً للمؤلف الأصلي، ولا يُلحظُ المترجم إلا عرضاً، إلا أن فعل الترجمة و التاؤيل ، هو الذي قدَّم المؤلف وما يفكر به، إلى قُرَّاءه الجُدد، وجعله يخاطبهم بلغتهم بطلاقة ووضوح وتشويق. الترجمة و التاؤيل، لا يكتفيان بنقل المعنى وكل محرضاته، بل يخلقان مع المعنى محرضات وإثارات جديدة وحالات تلقي مختلفة، إنها تخلق نصاً جديداً من قلب النص الأصلي، ومن صميم عقل المؤلف. فالتاؤيل لا يبحث عما يقوله النص (والمؤلف) فقط، بل يبحث عما لا يقوله أيضاً , على المقصود وغير المقصود. لذلك يبقى التاؤيل عملية قراءة للنص وللمؤلف معاً ، وتتنقل بين ما يدل عليه النص وما يقصده المؤلف.
فقد يختلف بعض الناس كثيرا حول رؤية ماركس عن الشرق بسبب ما قدمه شلومو من تاويل و نقل لماركس و في الحقيقة لم يكن تصور ماركس بالشرعنة .
ومع ذلك، فإن تحميل أفينيري وحده مسؤولية هذا الفهم يظل تبسيطًا للمشكلة؛ إذ إن قابلية النص الماركسي لإنتاج هذا النوع من التأويلات تكشف أن الإشكال لا يكمن في القارئ وحده، بل في البنية النظرية للنص نفسه. فالتأويل لا يستطيع أن يفرض على النص معنى يستحيل استخراجه منه، وإنما يوسع بعض إمكاناته الدلالية ويمنحها مركزية أكبر من غيرها. ومن ثم فإن الجدل حول ماركس لا يتعلق فقط بما قاله، وإنما أيضًا بما جعل نصه قابلًا لأن يُقال عنه.
