عندما كنت في حوالي الثانية عشرة من عمري وبينما كانت جارتي تطرق عليا الباب لنلعب سويًا كنت ارفض لأن لدي موعدًا غراميًا بأحد صفحات الفيسبوك التي تنشر "اقتباسات سوداوية عميقة" ، كنت أختلس هاتف أمي وأمضي ساعات اقرأها ويداي علي وجنتي ، أقول ( ياولد هذا انا ) علي كل اقتباس تعيس اقابله، مع أن أكثر المواقف تعاسة وقتها كان اليوم الذي جلبت فيه درجة خليعة في اختبار الرياضيات وضربتني أمي بالخرزانه ومثلت بجثماني وجعلتني عبرة لأخوتي الذين شاهدوني والذعر يملؤ أعينهم ، بعيدًا عن هذه الجروح القديمة التي جعلتني أكره الرياضيات طوال حياتي الدراسية إلا انه كان هناك شيئ لاحظته ، شيئ واحد مشترك في كل تلك الجمل والإقتباسات، اسم طويل كان يصعب علي نطقه ( دوستويفسكي) ، كان اسمه يقبع أسفل كل مقولة تقع عيناي عليها، لدرجة أنني ظننت انه احد علامات الترقيم التي لم ادرسها في حصة اللغه العربية ، علامه ترقيم غريبة توضع بعد كل اقتباس حكيم بدلًا من النقطة او علامة التعجب ! ، مضت الأيام وكبرت، وحذفت الفيسبوك من الأساس وقرأت لدوستويفسكي وغيره ولكن مع ذلك ظلت تلك الإقتباسات ترافقني طول حياتي بدون اختيار مني على إنستغرام علي تويتر وحتى هنا على سابستاك ، يكتب مراهق في الإعداديه جملة مثل ( انا وحيد والعالم قبيح ) ويضع بعدها كافكا او شوبنهاور فتجد طابورًا من المحللين يشرحون الرمزية خلفها و البعد الوجودي والتمرد علي البنية الإجتماعية ، وآخر في تويتر اسمه (احمد 2007 )،اعطته صديقته خازوقًا كبيرًا فكتب (لا أندم على من جعلته صديقًا فخدعني ولكن أندم على من ظننته حبيبًا فهجرني
ـ دوستويفسكي
أتريد أن تقنعني أن رجلًا رأى مشنقة الإعدام بأم عينيه ، جرب الفقر، التوسل،السجن،دفن ابنته بيديه عندما كانت في الثانية من عمرها و كتب ألف صفحة عن الشك والإيمان والخير والشر سيكتب جملة كهذه يا أحمد 2007 ؟
ماهو المنطق النفسي خلف تلك الظاهرة ؟
الواقع أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر في موضوع كذلك ، فنحن لا نقع في فخ الإقتباسات المنسوبة لنيتشه او دوستويفسكي او كافكا او غيرهم بسبب ضعف ذائقتنا الأدبية وقلة قراءتنا ومعرفتنا لأساليب كتابتهم وحسب ، بل بسبب ما يسمى ب ( ظاهرة الهالة ) أو ( الإحتكام للأسماء )
تعمل ظاهره الهالة كمرآه ، فبمجرد ان نربط اسمًا معينًا بالحكمة او العبقرية تمتد هذه الصفات لتغطي كل ما يصدر عن الشخص حتي لو كانت جملة سطحية أو نصحية تنمية بشرية ركيكة قد تقولها أختي الصغيرة في جلسة غداء حتي تشجعني على إجتياز الإختبارت ، هنا يأتي الإحتكام للأسماء فنحن لا نستعدي أسماء العظماء لنبحث عن الحقيقه بل لنضيف هالة من المصداقيه علي أفكارنا الخاصة ومشاعرنا الشخصية، فيكتب احدهم جملة ويضع بعدها اسم فيلسوف او أديب ما ليس لكونه قد قالها فعلًا بل ليطفي عليها قدر من المصداقية وكأنها ختم جودة يجعل الكلام أعمق بعشرات المرات ، في هذه الحالة يتم استخدام أسماء الفلاسفه والأدباء والعلماء كواجهه وكدرع يحمي هشاشه أفكار المرئ ، يلعب تأثير المكانه دورًا أيضًا فعندما يشهر أسم معين في مجال ما و يصبح رمزا للحكمة والتجربة الانسانية يصبح كل ما يخرج من فاه ذا دلالة رمزيه لا يفهما أي احد حتى لو كانت ببساطة ( أنا جائع ) ستجد من يفسرها علي انها جوع عاطفي أو جوع للبحث عن المعنى وليس الجوع الذي يصدر اصوات في المعدة بسبب نقص الغذاء، لأنه دوستويفسكي الرجل الحكيم ذو اللحية الطويلة مستحيل ان يكون جوعه مثل جوعنا !!
في حين ان أولئك الفلاسفة والأدباء والمفكرين والعلماء كانوا يعانون من النقص ، كانوا مثلنا تمامًا يتقيئون و يتجشئون ، كانوا مخطئين في أوقات كثيره وكثير من افكارهم كانت تعاني من السطحية والحمق وعدم النضج ...أرسطو مثلًا رغم عبقريته الفلسفية في عصره إلا انه كان يعتقد ان كل مافي الحياة هو مصمم من أربعة اشياء، النار و الماء والطين والهواء ، بل وكان يؤمن بالعبودية التي هي في عصرنا فعل قبيح خالٍ من أي اخلاقية ، ارسطو لم يكن غبيًا بالعكس كان ذا عبقرية فذة بالنسبة لعصره ، المشكلة ليست به، بل في من يعامل كل ما يقوله كنص إلهي مقدس يجب الإيمان به فورًا ، اولئك العباقرة كانو بشرًا يقولون أشياء بلا معنى حقيقي في أوقات كثيرة ولكننا نحن من كنا نبحث عن المعاني خلف كل شيئ يصدر من بين افواههم، وكأن كلامهم هو نص مقدس منزل من السماء يجب أن يكون هناك معنى لكل حرف به ، إن ظاهرة دوستويفسكي وكافكا و نيتشه وغيرهم بعد كل إقتباس عميق كان او غير عميق ، هي بشكل او بأخر انعكاس لعصر السرعة الذي نعيش فيه حيث اصبح الأسم بمثابة ختم جودة وحيث لا يكلف المرئ نفسه عناء التحقق من صدق المقولة قبل نشرها ، ربما يجب علينا أن نحكم علي الكلمات ككلمات ولا ننظر لمن قالها، فالحكمة لا تكتسب شرعيتها وعمقها من أسم صاحبها بل من قدرتها علي ملامسة قارئها وتحريك مشاعره ، واستعارة عقول الآخريين هو جبن كبير واختزال لعبقرية الفرد ، لم يكتب اولئك الناس لكي تملئ حسابك بكلمات معلبة بل لتنظر ولتفكر ولتعري نفسك أمام نفسك ، وكما يقول ابو العلاء المعري : ليس كل ما يلمع ذهبًا ، فأغلب الكلام الجميل المنمق فارغٌ من الداخل
أمزح لم يقل ابو العلاء المعري شيئًا من ذلك ، خذ حذرك المرة القادمة يا عزيزي القارئ
