جد ما تحب و اجعله يقتلك في هذة الجملة نرى , نوع من أنواع الانحلال قد ينبع من القلق المصاحب لصعوبة إيجاد ما نحبه، والذي يقابله صعوبة شديدة في زهدك عنه .
إدراك الإنسان انه عندما يحب , يزهد ويمل بعدها، ويدور ويبحث عن شيء آخر يحبه، وكأنه يريد أن يجعل ما يحبه يقتله لكي لا يتركه ؛ خوف وقلق وجودي من الضياع في سيولة الحب المستمرة.
خوف من بحر الحب. هناك أشياء كثيرة يمكن أن تحبها، عزيزي القارئ. عندما تجد ما تحبه لا تتركه أو تزهده أو تمل منه، دعه يقتلك، اجعله ينحل فيك، اجعله أنت.
أو تندمج فيه عوضًا عن أن يظهر عليك أو ينحل فيك، تندمج فيه وتظهر كنوع جديد تمامًا.
مثلما وجد قيس ما يحب وهي ليلى و في باطنها الحب و جعل حبها يقتله .
هذان البيتان خطهما بأصبعه عند رأسه قبل موته:
تَوَسَّدَ أحْجَارَ المَهَامِهِ وَالْقَفْرِ
فيا ليت هذَا الْحِبَّ يَعْشَقُ مَرَّةً
وَمَاتَ جَريحَ الْقَلْبِ مُنْدَمِلَ الصَّدْرِ
فَيَعْلَمَ مَا يَلْقَى المُحِبُّ مِنَ الهَجْرِ

بعيدًا عن موضوع المقال، لكن تامل الابيات. تخيل أن الحب تحول إلى كائن لا يُدرك ما يفعله بالمحبين، ككائن أعمى يصيب من يأتي عن يمينه وشماله، فيتمنى قيس أن يُحب الحب، أن يذوق مرارة الهجر والترك.
عزيزي القارئ، إنها دعوة من تشارلز بوكوفسكي، ويقول إن وجدت ما يمنحك شعورًا حقيقيًا بالحياة، فلا تتعامل معه بحذر أو حسابات أمان، اذهب معه حتى يستهلكك بالكامل، حتى تفرط فيه، حتى تجد أن المعنى بينك وبينه متقارب.
إن وجدت ما يبقيك فعلاً متشبثًا بهذه الحياة العبثية الغريبة، المليئة بالاغتراب والميل إلى العزلة، فعندها لا تجعل حياتك قائمة على الحماية المستمرة من الألم، لأن الحماية في وقتها تمنعك من العيش، تمنعك من الانغماس في معنى حياتك.

فيه أيضًا دعوة لتقبل الجانب الفوضوي المريض مما نحب. يرى أن الإنسان لا يعيش على هامش الحياة، أو ليعيش لتجنب الألم، فهذا محض خوف وقلق ومنع، منع للحياة. فعليك أن تعيش كامل الحياة وأن تنغمس في ما تحب حتى تقبل فعلاً ما ينبثق منه من عبث وضرر واستهلاك ذاتي.
العالم عند بوكوفسكي تجربة قاسية، فيها العمل الرتيب والشوارع المرهقة، وفيها الرأسمالية المفرطة والعلاقات غير المستقرة وكره الثورات والوحدة والإدمان والفشل.
في عالم تجاربه رتيبة ومكررة، مليء بالظاهرية وانعدام الرؤية، ومليء بحب التمظهر والتشيؤ، يُضغط على الوعي من كل هذه التجارب والملاحظات حتى يُكشف عند حدوده، حتى يُكشف عن عبثه.
فيه الإنسان كائن مبعثر يكرر أخطاءه، يعرف أنه لن ينتصر بشكل نهائي، ويعرف نهاية علاقته التي لطالما ظن أنها سوف تكتمل.
وسط هذا العبث يظهر ما تُحب، عزيزي، يسحبك خارج منطقك ثم يتركك مستنزفًا مختلفًا، وهنا عليه أن يقتلك؛ أن تفقد السيطرة وتتماهى معه وتتورط بشكل كامل معه وتُستهلك نفسيًا معه.
وهنا يولد الجمال، في العشوائية والفوضى وفقدان السيطرة ولحظة فقدانك توازنك، عزيزي. لا تحاول تفسير الألم ولا تحاول أنت، عزيزي القارئ، لا تبرره، فقط اعرضه كما هو.
عش في القذارة واشرب واكتب، وعليك أن تحب وعليك أن تنكسر، وليس عليك أن تنتظر معنى ينقذك في كل تخبط وقذارة تعيش فيها تجد الوعي يتدفق من حيث لا تحتسب.
فقط لا تحمل الصخرة بل اتركها وطف حول خمارة.
أما تقاطع صاحب الصخرة وتمردها فيقول كامو: إننا نقف أمام العالم في انتظار إجابة عن سؤال لم يسمعه هو أصلًا، وهو سؤال الوجود ومعناه. يرفض الوقوف، يرفض الانتحار، أن تختار معرفة أنه ليس هناك معنى كامل وتستمر، وعليك تخيل سيزيف سعيدًا، فأنت تعرف أن صخرتك ستسقط ومع ذلك تدفعها وتواصل، المعنى ليس في النتيجة بل في الوعي أثناء الفعل.
