هل يمكن أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؟
قد يبدو الذكاء الاصطناعي الذي يتجاوز ذكاءنا البشري ضربًا من الخيال العلمي، لا أكثر؛ فكرةً تصلح لكتب الخيال العلمي أو أفلامه. لكن ماذا يرى الخبراء والباحثون المتخصصون في الذكاء الاصطناعي بشأن مثل هذه السيناريوهات؟ هل يرفضونها بوصفها ضربًا من الخيال، أم أنهم يتعاملون مع إمكانية حدوثها بجدية؟
الذكاء الاصطناعي بمستوى الذكاء البشري هو آلة، أو شبكة من الآلات، قادرة على أداء النطاق نفسه من المهام التي يستطيع البشر أداءها. وبعبارة نورفيغ ورَسِل في كتابهما عن الذكاء الاصطناعي، هو نظام «قادر على تعلُّم القيام بأي شيء يستطيع الإنسان القيام به».
وسيكون بمقدوره اختيار الأفعال التي تمكّنه من تحقيق أهدافه، ثم تنفيذ تلك الأفعال. وسيكون قادرًا على أداء عمل المترجم، والطبيب، والرسام، والمعلّم، والمعالج النفسي، والسائق، أو المستثمر.
خلال السنوات الأخيرة، تواصلت عدة فرق بحثية مع خبراء في الذكاء الاصطناعي، وسألتهم عن توقعاتهم بشأن مستقبل ذكاء الآلات. وتُعد استطلاعات آراء الخبراء أحد مصادر المعلومات التي يمكننا الاعتماد عليها لتكوين صورة عن الكيفية التي قد يبدو عليها مستقبل الذكاء الاصطناعي.
يوضح الرسم البياني إجابات 356 خبيرًا، في أحدث دراسة أجرتها كاتيا غريس وزملاؤها في صيف عام 2022.
طُلب من الخبراء تحديد السنة التي يعتقدون عندها أن احتمال وجود ذكاء اصطناعي بمستوى الذكاء البشري سيبلغ 50%. وقد عُرِّف هذا النوع من الذكاء الاصطناعي بأنه آلات قادرة، من دون مساعدة بشرية، على إنجاز كل مهمة على نحو أفضل وأقل تكلفة من العاملين البشر. ويمكن العثور على مزيد من المعلومات حول الدراسة في القسم التوضيحي في نهاية هذا النص.
يمثل كل خط رأسي في الرسم البياني إجابة أحد الخبراء. ويكشف التباين الكبير بين الإجابات بوضوح أن الخبراء لا يتفقون على المدة التي سيستغرقها تطوير مثل هذا النظام.
يعتقد عدد قليل منهم أن هذا المستوى من التكنولوجيا لن يتطور أبدًا. ويرى بعضهم أنه ممكن، لكنه سيستغرق وقتًا طويلًا. بينما يعتقد كثيرون أنه سيُطوَّر خلال العقود القليلة المقبلة.
وكما توضح التعليقات على الرسم البياني، حدد نصف الخبراء موعدًا يسبق عام 2061، بينما حدد 90% منهم موعدًا يقع ضمن المئة سنة المقبلة.
ماذا نستخلص من الجداول الزمنية التي وضعها خبراء الذكاء الاصطناعي؟
تُعد استطلاعات الخبراء أحد مصادر المعلومات التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند التفكير في مستقبل الذكاء الاصطناعي، لكن ينبغي ألا نبالغ في تفسير نتائج هذه الاستطلاعات. فالخبراء في تكنولوجيا معينة ليسوا بالضرورة خبراء في التنبؤ بمستقبل تلك التكنولوجيا.
وقد أظهرت أبحاث أجراها باحثون، من بينهم باربرا ميلرز وفيل تيتلوك وغيرهما، أن الخبراء في مجالات كثيرة لا يمتلكون سجلًا جيدًا في التنبؤ بمستقبل مجالاتهم.
وتقدم لنا تاريخ الطيران مثالًا صارخًا على هذا النوع من الإخفاق. فقد نُسب إلى ويلبر رايت قوله: «أعترف بأنني قلت لأخي أورفيل عام 1901 إن الإنسان لن يطير قبل خمسين عامًا». وبعد عامين فقط، لم يكن «الإنسان» قد أصبح قادرًا على الطيران فحسب، بل كان الرجلان نفسيهما هما من حققا هذا الإنجاز.
إضافة إلى ذلك، كثيرًا ما تكشف هذه الدراسات عن وجود «تأثيرات الصياغة»؛ إذ يمكن لسؤالين متطابقين منطقيًا أن يحصلا على إجابات مختلفة تمامًا، اعتمادًا على الطريقة الدقيقة التي صيغ بها كل سؤال.
لكن ما أستخلصه أنا من هذه الاستطلاعات هو أن غالبية خبراء الذكاء الاصطناعي يتعاملون بجدية مع احتمال ظهور تكنولوجيا ذكاء اصطناعي شديدة القوة. وليس صحيحًا أن الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يرفضون فكرة الذكاء الاصطناعي فائق القوة باعتبارها مجرد خيال.
تعتقد الغالبية العظمى منهم أن هناك، خلال العقود المقبلة، احتمالًا يصل إلى 50% لظهور تكنولوجيا ذكاء اصطناعي سيكون لها أثر تحويلي في عالمنا. وبينما يضع بعضهم جداول زمنية تمتد لآماد طويلة، يرى كثيرون أن الوقت الذي يفصلنا عن وصول هذه التقنيات قد يكون قصيرًا جدًا.
وعبر الاستطلاعات الثلاثة، يرى أكثر من نصف الخبراء أن هناك احتمالًا يبلغ 50% لتطوير ذكاء اصطناعي بمستوى الذكاء البشري قبل نقطة ما في ستينيات هذا القرن، أي خلال فترة تقع ضمن حياة شباب اليوم.
توقعات مجتمع Metaculus
في الرسم البياني الكبير أدناه، الذي يعرض الجداول الزمنية المتوقعة لتطور الذكاء الاصطناعي، أدرجت أيضًا توقعات مجتمع المتنبئين في Metaculus.
المتنبئون على منصة Metaculus الإلكترونية ليسوا خبراء في الذكاء الاصطناعي، بل أشخاص يكرسون جهودهم لإجراء تنبؤات جيدة. وقد أظهرت أبحاث التنبؤ أن مجموعات من الأشخاص يمكنها تحديد احتمالات دقيقة بصورة مدهشة للأحداث المستقبلية، عندما تتوافر لها الحوافز المناسبة وتغذية راجعة جيدة.
ولكي يحصل هؤلاء المتنبئون على هذه التغذية الراجعة، يتابع مجتمع Metaculus على الإنترنت مدى دقة أدائهم في تنبؤاتهم.
فماذا يتوقع هؤلاء المتنبئون بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي؟
وقت كتابة هذا النص، في نوفمبر 2022، كان المتنبئون يرون أن هناك احتمالًا بنسبة 50% لأن يتم «تصميم واختبار والإعلان رسميًا» عن ذكاء اصطناعي عام بحلول عام 2040، أي خلال أقل من عشرين عامًا.
وعلى صفحتهم المخصصة لهذا السؤال، يمكن العثور على التعريف الدقيق لنظام الذكاء الاصطناعي المقصود، وكيف تغيرت الجداول الزمنية لتوقعاتهم، والحجج التي قدمها المتنبئون الأفراد لتفسير الطريقة التي توصلوا بها إلى توقعاتهم.
وقد أصبحت الجداول الزمنية التي يتوقعها مجتمع Metaculus أقصر بكثير في الآونة الأخيرة. فقد تقلصت التوقعات بنحو عقد كامل في ربيع عام 2022، عندما حدثت عدة اختراقات لافتة في الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع مما توقعه كثيرون.
توقعات أجيا كوترا
التوقع الأخير المعروض هنا يستند إلى أبحاث أجيا كوترا، التي تعمل لدى مؤسسة Open Philanthropy غير الربحية.
نشرت كوترا عام 2020 دراسة مفصلة وذات تأثير واسع تبحث في الموعد الذي قد يشهد فيه العالم ظهور ذكاء اصطناعي تحويلي. ولا يستند جدولها الزمني إلى استطلاعات الرأي، وإنما إلى دراسة الاتجاهات طويلة الأمد في مقدار القدرة الحاسوبية المستخدمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وقدّرت كوترا أن هناك احتمالًا بنسبة 50% لأن يصبح نظام ذكاء اصطناعي تحويلي ممكنًا وميسور التكلفة بحلول عام 2050. وهذا هو تقديرها المركزي في «السيناريو الوسيط».
وتؤكد كوترا أن هناك قدرًا كبيرًا من عدم اليقين المحيط بهذا السيناريو الوسيط، كما درست سيناريوهين آخرين أكثر تطرفًا. وتظهر أيضًا الجداول الزمنية لهذين السيناريوهين، وهما «السيناريو الأكثر تسارعًا من بين السيناريوهات المعقولة» و«السيناريو الأكثر تحفظًا من بين السيناريوهات المعقولة».
ويُظهر النطاق الممتد من 2040 إلى 2090 في توقعاتها «المعقولة» أنها ترى أن هامش عدم اليقين واسع للغاية.
ويُظهر الرسم أيضًا أن كوترا حدّثت توقعاتها بعد عامين من نشرها الأول. ففي عام 2022 نشرت تحديثًا قلّصت فيه جدولها الزمني الوسيط بمقدار عشر سنوات كاملة.
ومن المهم ملاحظة أن تعريفات أنظمة الذكاء الاصطناعي محل الدراسة تختلف اختلافًا كبيرًا بين هذه الدراسات. فعلى سبيل المثال، سيكون للنظام الذي تتحدث عنه كوترا أثر تحويلي في العالم يفوق بكثير أثر النظام الذي يركز عليه متنبئو Metaculus. ويمكن العثور على مزيد من التفاصيل في الملحق وفي الدراسات ذات الصلة.
ماذا يمكننا أن نتعلم من هذه التوقعات؟
يعرض الرسم التنبؤات الخاصة بـ 1128 شخصًا: 812 خبيرًا فرديًا في الذكاء الاصطناعي، وتقديرات مجمعة لـ315 متنبئًا من منصة Metaculus، ونتائج الدراسة التفصيلية التي أجرتها أجيا كوترا.
وتكشف هذه التوقعات عن خلاصتين أساسيتين بشأن الجداول الزمنية للذكاء الاصطناعي:
1. لا يوجد إجماع، ومستوى عدم اليقين مرتفع.
هناك خلاف هائل بين الخبراء بشأن الموعد الذي سيُطوَّر فيه ذكاء اصطناعي بمستوى الذكاء البشري. فبعضهم يعتقد أن ذلك لا يزال على بُعد عقود، بينما يرى آخرون أن من المحتمل تطوير مثل هذه الأنظمة خلال السنوات القليلة المقبلة، بل الأشهر المقبلة.
ولا يقتصر الخلاف على الاختلاف بين الخبراء؛ فالخبراء أنفسهم يشددون على حجم عدم اليقين المحيط بتقديراتهم الفردية.
وكما هو الحال دائمًا عندما يكون عدم اليقين مرتفعًا، فمن المهم التأكيد على أنه يعمل في الاتجاهين. فقد يستغرق ظهور ذكاء اصطناعي بمستوى الذكاء البشري وقتًا طويلًا جدًا، لكن هذا يعني أيضًا أننا قد لا نملك سوى وقت قصير للاستعداد له.
2. ومع ذلك، هناك قدر كبير من الاتفاق على الصورة العامة.
فالجداول الزمنية التي يضعها كثير من الخبراء أقصر من قرن، وكثير منها أقصر بكثير من ذلك. وتعتقد غالبية الذين يدرسون هذه المسألة أن هناك احتمالًا يبلغ 50% لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تحوّلية خلال السنوات الخمسين المقبلة.
وإذا تحقق ذلك، فمن المحتمل أن يكون أكبر تحول يشهده أبناءنا في حياتهم، وربما أكبر تحول نشهده نحن أنفسنا في حياتنا.
لم يلحق الخطاب العام، ولا عملية صنع القرار في المؤسسات الكبرى، بهذه الاحتمالات بعد.
ففي النقاشات المتعلقة بمستقبل عالمنا - من مستقبل المناخ، إلى مستقبل اقتصاداتنا، إلى مستقبل مؤسساتنا السياسية - نادرًا ما يحتل احتمال ظهور ذكاء اصطناعي تحويلي موقعًا محوريًا في النقاش. وفي كثير من الأحيان لا يُذكر أصلًا، ولا حتى في هامش أو حاشية.
يبدو أننا نعيش وضعًا لا يفكر فيه معظم الناس إلا قليلًا في مستقبل الذكاء الاصطناعي، بينما يرى القلة الذين يكرسون اهتمامهم لهذه المسألة أن من المعقول أن يحدث أحد أكبر التحولات في تاريخ البشرية خلال حياتنا.
مزيد من المعلومات حول الدراسات والتوقعات التي يناقشها هذا المقال
الدراسات الاستطلاعية الثلاثة لخبراء الذكاء الاصطناعي المشار إليها هي:
كاتيا غريس، وزاك شتاين-بيرلمان، وبنيامين واينستين-راون (2022) - «استطلاع الخبراء لعام 2022 حول التقدم في الذكاء الاصطناعي»، AI Impacts، 3 أغسطس 2022.
باوباو تشانغ، ونومي دريكسلر، وماركوس أندرلجونغ، ولورين كان، وتشارلي جياتينو، وآلان دافو، ومايكل هورويتز (2022) - «التنبؤ بتقدم الذكاء الاصطناعي: أدلة من استطلاع لباحثي التعلم الآلي»، نُشرت على arXiv في 8 يونيو 2022.
روس غرويتزيماخر، وديفيد باراديس، وكانغ بوك لي (2019) - «التنبؤ بالذكاء الاصطناعي التحويلي: استطلاع للخبراء»، نُشرت على arXiv.
أُجريت الاستطلاعات في الفترات التالية:
أُنجز استطلاع غريس وزملائها بين 12 يونيو و3 أغسطس 2022.
أُنجز استطلاع تشانغ وزملائه في معظمه بين 16 سبتمبر و13 أكتوبر 2019، لكن بسبب خطأ، أكمل بعض الخبراء الاستطلاع بين 10 و14 مارس 2020.
أُجري استطلاع غرويتزيماخر وزملائه في «صيف 2018».
تختلف هذه الاستطلاعات في طريقة طرح السؤال وفي تعريف نظام الذكاء الاصطناعي المقصود. وفي الأقسام التالية نناقش هذه الاختلافات بالتفصيل لكل دراسة.
دراسة غريس وزملائها المنشورة عام 2022
قُدِّم للمشاركين في الاستطلاع النص التالي بشأن تعريف الذكاء الآلي رفيع المستوى:
«تتناول الأسئلة التالية الذكاء الآلي رفيع المستوى (HLMI). ونقصد بالذكاء الآلي رفيع المستوى أن تكون الآلات، من دون مساعدة، قادرة على إنجاز كل مهمة على نحو أفضل وأقل تكلفة من العاملين البشر. تجاهل الجوانب التي تكون فيها صفة الإنسان ذات أفضلية جوهرية، مثل قبول الشخص عضوًا في هيئة محلفين. فكّر في إمكانية الإنجاز، لا في مدى تبني هذه الأنظمة. ولأغراض هذا السؤال، افترض أن النشاط العلمي البشري يستمر من دون اضطراب سلبي كبير.»
وُزّع المشاركون عشوائيًا على أحد إطارين لصياغة توقعاتهم: «الاحتمال الثابت» و«السنوات الثابتة».
في إطار «الاحتمال الثابت»، طُلب من المشاركين الإجابة عن السؤال: «كم سنة تتوقع أن تفصلنا عن بلوغ الاحتمالات التالية لوجود الذكاء الآلي رفيع المستوى: احتمال 10%؟ احتمال 50%؟ احتمال 90%؟» وكان عليهم تحديد عدد السنوات اعتبارًا من يوم مشاركتهم في الاستطلاع.
أما في إطار «السنوات الثابتة»، فسُئل المشاركون: «ما مدى احتمال وجود الذكاء الآلي رفيع المستوى: خلال 10 سنوات؟ خلال 20 سنة؟ خلال 40 سنة؟» وكان عليهم إعطاء احتمال حدوث ذلك.
أظهرت عدة دراسات أن طريقة صياغة السؤال تؤثر في الجداول الزمنية التي يضعها المشاركون، إذ تؤدي صياغة «السنوات الثابتة» إلى جداول زمنية أطول، أي إلى اعتبار ظهور الذكاء الآلي رفيع المستوى أبعد في المستقبل.
فعلى سبيل المثال، في النسخة السابقة من هذا الاستطلاع، والتي طرحت الأسئلة نفسها، قدّر المشاركون الذين تلقوا صياغة «السنوات الثابتة» وجود احتمال بنسبة 50% لظهور الذكاء الآلي رفيع المستوى بحلول عام 2068، بينما حدد الذين تلقوا صياغة «الاحتمال الثابت» عام 2054. ولم تكن نتائج تأثير الصياغة في نسخة 2022 من الاستطلاع قد نُشرت بعد.
وإلى جانب تأثير الصياغة، هناك تأثير أكبر ناتج عن الطريقة التي يُعرَّف بها مفهوم الذكاء الآلي رفيع المستوى نفسه.
ويمكننا رؤية ذلك في نتائج النسخة السابقة من الاستطلاع، إذ لم تكن نتيجة استطلاع 2022 قد نُشرت بعد. بالنسبة إلى المشاركين الذين تلقوا التعريف السابق للذكاء الآلي رفيع المستوى، بلغ متوسط توقع الوصول إلى احتمال 50% عام 2061.
أما مجموعة صغيرة من المشاركين فقد تلقت سؤالًا آخر مشابهًا منطقيًا، لكنه كان يتناول الأتمتة الكاملة للعمل. وقد بلغ متوسط توقع هذه المجموعة للوصول إلى احتمال 50% عام 2138، أي بعد المجموعة الأولى بـ 77 عامًا كاملة.
وطُلب من مجموعة الأتمتة الكاملة للعمل اعتبار المهنة قابلة للأتمتة بالكامل عندما تستطيع الآلات، من دون مساعدة، أداءها على نحو أفضل وأقل تكلفة من العاملين البشر. وطُلب منهم تجاهل الجوانب التي تكون فيها صفة الإنسان ذات أفضلية جوهرية، مثل قبول الشخص عضوًا في هيئة محلفين.
وكان الوصول إلى «الأتمتة الكاملة للعمل» يعني أن جميع المهن أصبحت قابلة للأتمتة بالكامل؛ أي أن الآلات يمكن، بالنسبة إلى أي مهنة، أن تُبنى بحيث تؤدي مهامها على نحو أفضل وأقل تكلفة من العاملين البشر.
وقد طُرح هذا السؤال باستخدام إطاري «الاحتمال الثابت» و«السنوات الثابتة».
دراسة تشانغ وزملائه المنشورة عام 2022
قُدِّم للمشاركين في الاستطلاع التعريف التالي للذكاء الآلي بمستوى الذكاء البشري:
«يتحقق الذكاء الآلي بمستوى الذكاء البشري (HLMI) عندما تصبح الآلات، مجتمعة، قادرة على أداء جميع المهام تقريبًا - أكثر من 90% من جميع المهام - ذات الصلة اقتصاديًا على نحو أفضل من الإنسان الوسيط الذي كان يتقاضى أجرًا لأداء تلك المهمة في عام 2019. ينبغي تجاهل المهام التي تقتصر قانونيًا أو ثقافيًا على البشر، مثل خدمة هيئة المحلفين.»
وعُرِّفت المهام «ذات الصلة اقتصاديًا» بأنها المهام المدرجة في قاعدة بيانات شبكة المعلومات المهنية (O*NET)، وهي قاعدة بيانات واسعة الاستخدام للمهام التي تُؤدى في مجموعة كبيرة من المهن.
وكما في دراسة غريس وزملائها لعام 2022، وُزّع المشاركون عشوائيًا على أحد إطارين لتقديم توقعاتهم: «الاحتمال الثابت» و«السنوات الثابتة».
وكما حدث سابقًا، أدى إطار «السنوات الثابتة» إلى جداول زمنية أطول في المتوسط: فقد حدد المشاركون عام 2070 للوصول إلى احتمال 50% لوجود الذكاء الآلي بمستوى الذكاء البشري، مقارنة بعام 2050 في إطار «الاحتمال الثابت».
دراسة غرويتزيماخر وزملائه المنشورة عام 2019
طُلب من المشاركين إبداء آرائهم بشأن تطور الذكاء الاصطناعي مستقبلًا فيما يتعلق بالمهام البشرية.
وعُرِّفت المهام البشرية بأنها جميع المهام الفريدة التي يتقاضى البشر حاليًا أجرًا مقابل أدائها. واعتُبرت المهام البشرية مختلفة عن الوظائف، إذ قد يكون الخوارزم قادرًا على استبدال البشر في جزء من المهام التي تتطلبها وظيفة ما، من دون أن يكون قادرًا على استبدالهم في جميع متطلباتها.
فعلى سبيل المثال، قد يتمكن نظام ذكاء اصطناعي من استبدال المحامي في أداء 50% من المهام التي يؤديها عادةً، من دون أن يتمكن من الاستغناء عن المحامي بالكامل.
وطُلب من المشاركين تحديد عدد السنوات التي يتوقعون أن تفصلنا عن الوقت الذي تصبح فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة، مجتمعة، على إنجاز 99% من المهام البشرية بالمستوى نفسه للإنسان المعتاد أو بمستوى أفضل منه. وطُلب منهم التفكير في إمكانية الإنجاز فقط.
وبالإضافة إلى هذا التعريف، سُئل المشاركون عن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة مجتمعة على إنجاز 50% و90% من المهام البشرية، وكذلك عن «أنظمة الذكاء الاصطناعي واسعة القدرات» القادرة على إنجاز 90% و99% من المهام البشرية.
استخدم جميع المشاركين في هذا الاستطلاع إطار «الاحتمال الثابت».
دراسة أجيا كوترا المنشورة عام 2020
كان الهدف العام لكوترا هو تقدير الموعد الذي يمكن أن نتوقع فيه ظهور «الذكاء الاصطناعي التحويلي» (TAI)، الذي عرّفته بأنه «برمجية ... لها أثر عميق في مسار العالم لا يقل عن أثر الثورة الصناعية».
وركزت كوترا على طريقة ملموسة نسبيًا وسهلة التصور يمكن أن يظهر بها الذكاء الاصطناعي التحويلي: برنامج حاسوبي واحد يؤدي قدرًا متنوعًا بدرجة كافية من العمل الفكري، وبمستوى مرتفع من الأداء، بحيث يستطيع وحده إحداث تحول شبيه بالثورة الصناعية.
ومن الأمثلة البديهية على مثل هذا البرنامج «المهني الافتراضي»: نموذج يستطيع أداء كل ما ينتجه الإنسان الذكي والمتعلم تقريبًا من عمل اقتصادي عن بُعد باستخدام حاسوب متصل بالإنترنت، ولكن بسرعة تفوقه بمئة مرة، وبتكلفة مماثلة أو أقل من تكلفة توظيف هذا الإنسان.
فمتى يمكن أن نتوقع وجود شيء يشبه هذا «المهني الافتراضي»؟
للإجابة عن ذلك، قدّرت كوترا أولًا مقدار القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب مثل هذا النظام، باستخدام بنيات التعلم الآلي والخوارزميات المتاحة للباحثين عام 2020.
ثم قدّرت الموعد الذي ستصبح فيه هذه القدرة الحاسوبية متاحة بتكلفة منخفضة بما يكفي، اعتمادًا على استقراء الاتجاهات السابقة.
ويستند تقدير القدرة الحاسوبية اللازمة للتدريب إلى تقدير مقدار العمليات الحسابية التي ينفذها الدماغ البشري كل ثانية، إلى جانب فرضيات مختلفة بشأن مقدار التدريب المطلوب للوصول إلى مستوى مرتفع بما يكفي من القدرات.
فعلى سبيل المثال، تفترض «فرضية مرساة العمر» تقدير إجمالي العمليات الحسابية التي ينفذها الدماغ البشري حتى سن نحو 32 عامًا.
وينطوي كل جانب من جوانب هذه التقديرات على درجة عالية جدًا من عدم اليقين.
وتكتب كوترا:
«إن مسألة ما إذا كان هناك مفهوم معقول لـ"الحسابات الدماغية" يمكن قياسه بوحدة FLOP/s، وإذا كان الأمر كذلك، فما نطاق التقديرات الرقمية المعقولة لهذه العمليات الحسابية في الثانية للدماغ، هي مسألة إشكالية من الناحية المفاهيمية وغامضة من الناحية التجريبية.»
وبالنسبة إلى أي شخص مهتم بمستقبل الذكاء الاصطناعي، فإن دراسة كوترا تستحق القراءة المتأنية. فهي تعرض أسبابًا واضحة وشفافة لتقديراتها، وتشرح منطقها بالتفصيل.
أُعلن عن بحثها في عدة أماكن، من بينها منتدى محاذاة الذكاء الاصطناعي (AI Alignment Forum). وعلى حد علمي، ظل التقرير نفسه دائمًا «مسودة تقرير»، ونُشر على Google Docs. وليس من غير المألوف في مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي أن تُنشر المقالات بطرق غير تقليدية.
وفي عام 2022، نشرت أجيا كوترا تحديثًا بعنوان «تحديث بعد عامين بشأن جداولي الزمنية الشخصية للذكاء الاصطناعي».
دراسات أخرى
هناك نوع مختلف تمامًا من التوقعات ذات الصلة هنا، يتمثل في عمل ديفيد رودمان.
ففي مقاله «نمذجة المسار البشري»، يدرس تاريخ الناتج الاقتصادي العالمي من أجل التفكير في المستقبل. ويسأل عما إذا كان من المعقول أن نشهد نموًا اقتصاديًا يمكن وصفه بأنه «تحويلي» - أي معدل نمو سنوي للاقتصاد العالمي يتجاوز 30% - خلال هذا القرن.
ومن بين استنتاجاته أنه «إذا استمرت أنماط التاريخ طويل الأمد، فستحدث طفرة اقتصادية من نوع ما مرة أخرى، ويُرجح أن يكون الذكاء الاصطناعي هو القناة الأكثر احتمالًا لحدوثها».
وهناك أيضًا نوع مختلف جدًا من التوقعات في تقرير توم ديفيدسون بعنوان «تقرير حول السوابق الاحتمالية شبه المعلوماتية»، الذي نُشر عام 2021.
نُشر هذا المقال في الأصل بقلم ماكس روزر في 7 فبراير 2023.
