طلع ليودفيغ فيورباخ بجملته الشهيرة ، " الانسان هو ما ياكل "
و هو ما يبين فيها أن الفكر نفسه يحتاج إلى جسد لكي يظهر، وأن الجسد يحتاج إلى مادة لكي يستمر. نحن لا نفكر في فراغ. نحن نفكر بأدمغة تتغذى، وأجساد تحتاج إلى الطاقة، وقلوب تضخ الدم، وأجهزة عصبية تتأثر بما يدخل إليها من العالم. ولذلك فإن سؤال «ماذا يفكر الإنسان؟» لا ينفصل تمامًا عن سؤال «كيف يعيش؟»، وسؤال «كيف يعيش؟» لا ينفصل عن سؤال «ماذا يأكل؟»
وجد الانسان الاول نفسه في عالم لا يضمن له بقاء او طعام ، وجد نفسه امام كون شاسع ملئ بالجوع و البرد و الافتراس و الموت ، و كان الطعام هو قلب كل شي ، فإن وجدت الطعام فكانك اجلت الموت ، ولان امتلاك معرفة اماكن الماء و توافر الطعام و الحيوان و النبات لم يقتصر على انسان وحده منفرداً بل شاركه فيه اخريين ، فاخذت الجماعات تتشكل ، بل و شعرت بالامان و هنا كان دور الانسان ان ينشغل بنفسه و بالجماعات و كونه ، ولا ينشغل بمن يهدده .
و هنا يتغير الطعام ، من شي يوجل الموت ، الى شي يُفكر فيه الانسان الاول بدقة ، لانه الان عليه ان يُشارك من حوله من نفس الطعام ، فعليه ان يختار من يستحق فعلا المقاسمة ، و هنا تظهر العلاقة بين الطعام و من ياكله .
فالإنسان الان لا يأكل فقط ، إنه يأكل مع أحد.
وهذا هو معنى «المؤاكلة» أو ما يسميه علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بـ commensality :الاشتراك في المائدة والطعام ،وقد وجدت أبحاث في السلوك الاجتماعي أن الأكل مع الآخرين يرتبط بمؤشرات مثل الثقة، والاندماج الاجتماعي، والشعور بالسعادة، ووجود شبكات دعم اجتماعي؛ بل تشير إحدى الدراسات إلى أن اتجاه العلاقة قد يكون من الأكل المشترك إلى زيادة الترابط، لا مجرد أن الأشخاص المترابطين يأكلون معًا . و هنا يظهر بوضوح تجلي المثال الشعبي " كلنا مع بعض عيش و ملح " فالطعام الان يظهر كمعزز للعلاقات .
و مرورا بالزمن ، فالطعام لا يقتصر بالتعزيز بل بالكشف فنحن عندما نشارك طعامنا مع غريب ، فنحن ينكشف لنا ما لا تكشفه اللغة : قد ترى علاقته بالانتظار، وبالمشاركة، وبالامتلاك، وبالكرم، وبالحدود، وبالآخر .
و الان اصبح الطعام مُعبر عن تجربة الاخر و لكن قد يظهر بوصفه حالة وجدانية ، نحن نُدخل الطعام إلى أجسادنا، لكننا في الوقت نفسه ندخل، عبر الطعام، في عالم اجتماعي كامل. فالوجبة تحمل معها طريقة التربية، والطبقة، والدين، والذاكرة، والمكان، والموسم، والأسرة ، قد يأكل الإنسان طبقًا لأنه جائع، لكنه قد يأكله أيضًا لأنه يذكره بأمه، أو بطفولته، أو ببلده، أو بجماعة ينتمي إليها. ولهذا فإن الطعام لا يغذي الجسد وحده ، إنه قادر على حمل الذاكرة والهوية.
الان يحمل الطعام مكانة وجدانية و الان نفهم قُدسية الطعام .
فالإنسان الذي عرف أن الطعام يحفظ حياته، وأن الحيوان والنبات والماء تمنحه القدرة على الاستمرار، لم يكن بعيدًا عن أن يرى في هذه الأشياء أكثر من مجرد موارد. في كثير من التقاليد الدينية القديمة أصبح الطعام جزءًا من الطقس، وأصبحت الحبوب والفاكهة والزيت والخبز واللحم والخمر وغيرها تدخل في أنماط مختلفة من النذر والتقدمة والقربان ، وفي العالم اليوناني والروماني مثلًا، كان القربان يتضمن تقديم الطعام أو أجزاء من الحيوان للآلهة، ثم قد تنتهي العملية بوليمة يشترك فيها البشر؛ أي أن الطقس نفسه كان يجمع بين التقديم إلى الإله والأكل بين البشر.
و في المسيحية - و إن لم تقتصر عليها - تتجلى هذة الرابطة و تتطور في القُرب من الاله بالدم ، فمن يشرب دم الاله فهو يحمل موته و حياته ، لا يصبح الطعام مجرد شيء يُقدم إلى الإله، بل يصبح وسيطًا للدخول في علاقة مع المسيح ،فالإنسان لا يكتفي بأن يقدم شيئًا للمقدس، وإنما يأخذ من المقدس إلى داخله .
في القربان التقليدي، أنا أعطي الإله شيئًا من عالمي.
أما في الطقس الذي يصبح فيه المقدس مأكولًا، فأنا أدخل المقدس إلى عالمي، بل إلى جسدي.
إنها حركة معكوسة.
في الأولى: أنا أرسل شيئًا إلى المقدس.
وفي الثانية: المقدس يدخل فيّ.
من هنا تصبح فكرة الأكل ذات عمق يتجاوز الحاجة البيولوجية بكثير ،الأكل هو، في أبسط مستوياته، عملية إدخال العالم الخارجي إلى داخل الجسد ،أنت تأخذ شيئًا لم يكن «أنت» وتحوله، عبر الهضم والاستقلاب، إلى جزء من جسدك. النبات الذي كان خارجك يصبح مادة في دمك ،والحيوان الذي كان كائنًا آخر يدخل في دورة جسدك ، والماء الذي كان خارجك يصبح جزءًا منك.
والعلم الحديث يجعل العبارة أكثر تعقيدًا، لا أكثر بساطة ، فالغذاء لا يتحول بطريقة سحرية إلى أفكار، لكن الدماغ عضو بيولوجي يحتاج إلى المغذيات والطاقة، وهناك بالفعل أدلة بحثية متراكمة تربط أنماطًا غذائية معينة بصحة الدماغ والوظائف المعرفية. مراجعة منهجية حديثة للجنة الإرشادات الغذائية الأمريكية وجدت ارتباطًا بين الأنماط الغذائية الأعلى في الخضروات والفواكه والبقول والمكسرات والأسماك والدهون غير المشبعة وانخفاض خطر التدهور المعرفي والخرف ومرض ألزهايمر، مع تصنيف قوة الدليل بأنها «متوسطة».
كما وجدت مراجعة منهجية لتجارب عشوائية أن هناك أدلة معقولة على أن بعض التدخلات الغذائية يمكن أن تحسن بعض المجالات المعرفية أو مؤشرات سلامة الدماغ، مع استمرار الحاجة إلى تجارب أفضل لتحديد حجم التأثير وسببيته بدقة.
إننا لا نأكل الأشياء فقط.
نحن نأكل العالم ،
ثم نحوله إلى جسد ،
ثم إلى ذاكرة ،
ثم إلى هوية .
يقول المعري :
َذِي الحَيَاةُ أَجَاءَتْنَا بِمَعْرِفَةٍ
إِلَى الطَّعَامِ وَسَتْرٍ بِالجَلَابِيبِ
لَوْ لَمْ تُحِسَّ لَكَانَ الجِسْمُ مُطَّرَحًا
لَذْعَ الهَوَاجِرِ أَوْ وَقْعَ الشَّآبيبِ
